الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

462

انوار الأصول

لا ترجيح لأحدهما على الآخر ، فقد يقال : إنّ المنطوق أقوى ظهوراً من المفهوم ، لأنّ الكلام إنّما سيق لبيان المنطوق ، والمفهوم أمر تبعي ولازم للمنطوق ، ولكنّ الإنصاف أنّ هذا دعوى بلا دليل بل كثيراً ما يساق الكلام لبيان المفهوم . كقولك : « سافر إن كان الطريق آمناً » فيما إذا كان مرادك النهي عن السفر في صورة عدم الأمن . فالصحيح أن يقال : إنّ المقامات مختلفة ، والمتّبع هو الضوابط الخاصّة والقرائن المكتنفة بالكلام ، فيسقط الطريق الأوّل عن كونه ضابطة كلّية للجمع الدلالي . 5 - إذا دار الأمر بين التخصيص والمجاز ، وبعبارة أخرى : دار الأمر بين التصرّف في أصالة العموم أو رفع اليد عن أصالة الحقيقة ، كقوله : « لا تكرم الفسّاق » مع قوله : « لا بأس بإكرام زيد الفاسق » فكما يمكن رفع اليد عن العموم بالتخصيص ، كذلك يمكن رفع اليد عن ظهور النهي في الحرمة وحملها على الكراهة حتّى تجتمع مع عدم البأس . ولا يخفى أنّ نظيره في الفقه كثير ، فإنّه يتصوّر أيضاً فيما إذا كان العام بصيغة الأمر ، فيدور الأمر بين رفع اليد عن ظهور العام في العموم ورفع اليد عن ظهور هيئة الأمر في الوجوب وحملها على الاستحباب . والصحيح في هذه الموارد تقديم التخصيص على المجاز لأنّه أمر شائع معروف ، والأوامر التي تحمل على الاستحباب أو النواهي التي تحمل على الكراهة وإن كانت كثيرة إلّا أنّ تخصيص العام أكثر وأظهر . نعم ، قد يقدّم المجاز في هذه الموارد على التخصيص لبعض القرائن الخاصّة والضوابط الجزئيّة كما لا يخفى على من له إلمام بالمسائل الفقهيّة المناسبة للمقام . الأمر السادس : الفرق بين التعارض والتزاحم لا إشكال في أنّ المراد من التزاحم هنا ليس هو التزاحم في الملاكات بالنسبة إلى فعل واحد ، كما إذا كان في فعل واحد جهة مصلحة تقتضي إيجابه ، وجهة مفسدة تقتضي تحريمه ، فليس للمكلّف دخل في هذا التزاحم ، بل أمره وملاحظة الجهات وما هو الأقوى من الملاكات